الفصل الأول
٠١بذور الابتكار
١-١ما لا تراه العين
أهم ما في الحياة لا يُرى: الثقة، والأمان، والطمأنينة. تعمل في الخلفية بصمت، فيمضي الناس في طريقهم دون تردد. والعالم الرقمي كذلك؛ فكل نظام آمن، وكل تقنية ذكية يستخدمها الناس مطمئنين، تقف خلفها قرارات كثيرة لا يراها أحد. هذا الأساس الخفي هو ما وهبتُ له عمري المهني: أنظمة ذكاء اصطناعي آمنة ومسؤولة تضع الإنسان في قلب التقدم. قد لا يرى الناس ثمرة هذا الجهد، لكنهم يعيشونها كل يوم في طريقة عمل المؤسسات، وفي تعاملهم مع التقنية.
«هَنْدِسْ صموداً خفيًّا لحمايةِ الإرادةِ البشرية». هذه العبارة شعاري، وأحملها في كل عمل أقدّمه. أراها عند النقطة التي يلتقي فيها عقل الإنسان باستقلال الآلة، وأفهمها التزاماً بأن أستعد للتحدي قبل أن يقع، وأن أصمم أنظمة يعتمد عليها الناس وهم مطمئنون. ووراء هذا الالتزام المهني دافع شخصي عميق، مصدره الأول العائلة. فقد بقيت أسرتي منبع قوتي، ولأمي بين من شكّلوا نظرتي مكانة خاصة؛ فالترابط الذي غرسته فينا صار أساساً حملته معي في كل مرحلة.
هذه الكلمات تختصر الغاية التي تسري في فصول حياتي كلها: مستقبل يُبنى بعناية. وفي قلب عملي فكرة لازمتني طوال مسيرتي، أسميتُها «الهندسة غير المرئية» (Invisible Engineering)؛ أي أن أفضل تقنية لا تطلب انتباهك، بل تعمل بهدوء في الخلفية، تزيل العقبات وتبني الثقة ولا تقطع على الناس حياتهم. ثم جاء الصعود السريع للذكاء الاصطناعي فنقل السؤال من حماية الآلات إلى حماية من يستخدمونها. كانت تلك نقطة تحول في تفكيري، فاتجهت إلى حماية الحكم البشري في عالم تتدخل فيه الأنظمة الذكية في تفاصيل اليوم. ومن هذه الرؤية وُلد «النموذج الموحد لنضج الأمن الإدراكي» (Unified Cognitive Security Maturity Model, UCSMM)، وهو إطار يقوم على قناعتي بأن مستقبل الأمن أن نحفظ إرادة الإنسان ونحن نتقدم تقنياً.
١-٢شرارة الفضول
وُلدتُ في مصر ونشأتُ في إحدى قرى محافظة الدقهلية، حيث كانت الحياة أبسط مما هي عليه اليوم وأكثر صدقاً. هناك تعلمتُ الأشياء الأولى التي لا تُدرَّس: قيمة الجهد، وكرم الجيرة، وأن الإنسان يُقاس بما يُقدّمه لا بما يملكه. ومن تلك القرية، حيث كانت الأدوات قليلة والفضول بلا حدود، بدأ كل شيء.
قبل أن يدخل الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني حياتي بسنوات طويلة، كنت صبياً يسحره كل ما يعمل بالأسلاك والكهرباء. لم تكن الأجهزة في البيت أشياء عادية في نظري، بل ألغازاً تنتظر من يحلها. ولم يكن يكفيني أن أنظر؛ فما دام الشيء يُفتح، فلا بد أن أعرف ما بداخله. صارت أجهزة الراديو والأدوات الصغيرة ملعبي، وصار الكبار من حولي يقلقون كلما رأوني أحمل مفكاً. كل مسمار أفكّه يكشف لغزاً جديداً، وكل دائرة كهربائية تفتح سؤالاً آخر. وذات عصر وقعت عيني على تلفزيون قديم، واقتنعت أنني قادر على إصلاحه، ففككت ذلك الصندوق الضخم بحذر وبدأت أفحص ما فيه.
لم أكن أعرف أن فيه شحنة كهربائية ما زالت محبوسة. وفي لحظة رمتني الصدمة إلى الخلف وطرحتني أرضاً. أي طفل غيري كان سيبتعد عن الجهاز ولا يعود، أما أنا فرجعت إليه بعد أن هدأ الخوف، أريد أن أفهم ماذا حدث. لم يُطفئ الحادث فضولي، بل زادني إصراراً على معرفة السبب. وكشفت تلك اللحظة عن طبع سيلازمني طوال حياتي: العقبة لا تصرفني عن التعلم، بل تدفعني إليه.
وبعد سنوات وجد هذا الفضول ميداناً جديداً. تركت الأسلاك والدوائر، وبدأت أستكشف الأنظمة الخفية التي يقوم عليها العالم الحديث. والرغبة نفسها في معرفة ما تحت السطح هي التي قادتني في النهاية إلى البحث الذي شغل معظم مسيرتي. علّمتني الهندسة الدقة، لكنني أدركت مبكراً أن الدقة وحدها لا تكفي؛ فالفهم الحقيقي يأتي من السؤال الأعمق، ومن رفض الاكتفاء بالجواب السهل. وظهرت هذه العقلية بوضوح في سنتي التحضيرية.

فضول مبكر · محاكاة بصرية من الذاكرة
١-٣رفع المعايير
في مادة هندسة الحالة الصلبة طُلب منا تقديم ورقة بحثية. تعامل معها كثير من زملائي كواجب آخر يُسلَّم وينتهي، أما أنا فقضيت ساعات أقرأ وأراجع كل قسم حتى اطمأننت إلى أن كل فكرة فيها تقف على أرض صلبة. سلّمتُ الورقة، ومضت الأيام كعادتها. ثم جاءت محاضرة لا أنساها. كان المدرج ممتلئاً حين توقف الأستاذ فجأة ونادى باسمي. وقفت ولا أعرف ما ينتظرني، والتفتت إليّ عشرات الوجوه. رفع الأستاذ ورقتي وقال إنها الوحيدة التي بلغت المستوى الذي كان يرجوه، ثم التفت إلى الدفعة ونصحهم بأن يدرسوها إن أرادوا أن يعرفوا كيف يُكتب البحث ويُقدَّم. من يومها رفعتُ سقف ما أطلبه من نفسي.
لم يكن جرس آخر اليوم الدراسي يعني نهاية يومي. كان زملائي يعودون إلى بيوتهم ليرتاحوا أو يلتقوا أصدقاءهم، وأنا أتجه إلى محل والدي للأدوات. هناك كان فصل دراسي من نوع آخر: رفوف مليئة بالعدد واللوازم الكهربائية مكان السبورة، وزبائن بأسئلتهم وطلباتهم جزء من كل عصر. وبين زبون وآخر كنت أحل مسألة هندسية أو أراجع لامتحان قريب. تكرر هذا الإيقاع يوماً بعد يوم، ولم يترك مجالاً كبيراً للتشتت؛ فكان عليّ أن أعطي ما أمامي انتباهي كله، عملاً كان أو درساً. ولم أدرك يومها أن تلك الأمسيات في المحل كانت تعدّني لما بعدها؛ فالتنقل بين المشكلة العملية والفكرة المعقدة صار فيما بعد طبعاً فيّ.
١-٤الفضول كبوصلة
كثيرون يستطيعون أن يشيروا إلى معلم واحد صنع طريقهم، أما أنا فكان معلمي الأكبر فضولي نفسه، ذلك الذي لا يرضى أن يبقى سؤال بلا جواب. كلما صادفت فكرة لا أعرفها بحثت حتى أفهمها. صارت الكتب رفقتي، ولم أشعر يوماً أن الفصل الدراسي منفصل عن الحياة خارجه؛ فكل درس كان يجيب عن سؤال سبق أن طرحته قبل أن أدخل القاعة بزمن. أحببت الرياضيات لأنها تشبع حبي للنظام، ففيها طمأنينة أن كل معادلة تسلك طريقاً واضحاً، وكل حل يقوم على منطق سليم. ثم جاءت الفيزياء والكيمياء فبعثتا الحياة في تلك الأرقام،

متجر والدي للأدوات · محاكاة بصرية من الذاكرة
وشرحتا لي لماذا يسري التيار، ولماذا تختلف المواد في سلوكها، ولماذا تعمل الأجهزة التي أدهشتني على النحو الذي تعمل به.
ومع تطور التقنية شدّني مجالان أكثر من غيرهما. البرمجة أعطتني متعة أن أصنع شيئاً من لا شيء إلا المنطق والفكرة؛ بضعة أسطر مكتوبة بعناية تحل مشكلة، وتؤدي مهمة وحدها، وتبعث الحياة في نظام معقد. والشبكات فتحت لي عالماً آخر: خيوط خفية تصل الناس بالأجهزة وبالمعلومات، فتعمل كلها منظومةً واحدة. فتنني هذا المعنى؛ فأقوى الشبكات ليست التي تلفت الانتباه إلى نفسها، بل التي يعمل كل شيء فيها بانسجام دون أن يراها أحد.

في حرم جامعة المنصورة أيام الدراسة — حيث بدأ السؤال يسبق الإجابة
١-٥من الأفكار إلى الابتكار
مع اقتراب التخرج وجدنا، أنا وفريقي، أمامنا تحدياً حقيقياً. كانت كلية الهندسة تريد تحويل مجموعة من الأجهزة اللوحية المتفرقة إلى مختبر ذكي. الأجهزة موجودة، لكن كل واحد منها يعمل وحده، والمطلوب أن نجمعها في بيئة تفاعلية واحدة يستخدمها الطلاب وأعضاء هيئة التدريس بسهولة. كانت هذه تماماً نوع المشكلة التي تشعل خيالي. قضينا ساعات طويلة نناقش ونجرب ونعدّل، ونتجاوز عقبة لتظهر أخرى، حتى وصلنا إلى الحل: نظام إدارة الأجهزة اللوحية التفاعلي (TLMS). وحين شغّلناه أخيراً كان الفرق واضحاً؛ أجهزة كانت متفرقة صارت تعمل معاً منظومةً واحدة. أشادت الجامعة بالمشروع، لكن فرحتي الكبرى كانت أن أرى فكرة خرجت من الورق وصارت جزءاً من يوم الطلاب الدراسي.
كان كثير من الطلاب يكتفون بما يتعلمونه في القاعة، أما أنا فأردت أن أبني شيئاً أسميه ملكي. فوضعت لنفسي تحدياً قلّما فكر فيه أحد من زملائي: أن أبني موقعاً شخصياً من الصفر، دون أدوات جاهزة ولا قوالب مصنوعة. صارت كل مرحلة درساً؛ صممت الصفحات، وكتبت الشيفرة، وضبطت الخادم، وتعلمت كيف تتعاون الأجزاء كلها ليبقى الموقع حياً. احتاج الأمر إلى صبر طويل، فخطأ صغير واحد كان يكفي ليتوقف كل شيء. قضيت ساعات أطارد الأخطاء، وكلما حللت مشكلة انكشفت لي طبقة جديدة من الطريقة التي يعمل بها الإنترنت خلف الستار.
وحين اشتغل الموقع أخيراً شعرت بفرحة يصعب وصفها. لم تكن الفرحة أن أرى عملي على الشاشة فحسب، بل أن أدرك أنني بنيت بيئة رقمية كاملة بيدي، وأفهم كل جزء فيها. ولم يُغلق ذلك المشروع أبداً؛ فما زلت أصون موقعي وأطوّره منذ ذلك الحين، وأتخذه مختبراً شخصياً أجرّب فيه كل فكرة جديدة. أبقاني هذا قريباً من أساسيات التقنية، وذكّرني دائماً بأن كل نظام معقد مصنوع من أجزاء صغيرة لا تُحصى، تعمل معاً بدقة.
١-٦مدرسة الانضباط: ضابط احتياط
بعد تخرجي من كلية الهندسة بجامعة المنصورة، التحقتُ بالخدمة العسكرية ضابطاً احتياطياً. لم تكن تلك السنوات فاصلاً بين مرحلتين من حياتي المهنية، بل كانت مدرسة قائمة بذاتها. تعلمتُ فيها الانضباط بمعناه العملي: أن يكون للوقت حرمة، وللتفصيل الصغير أثر، وأن الالتزام ليس شعاراً بل عادة يومية تُبنى بالتكرار. وهو الدرس الذي ما زال ينظّم طريقتي في العمل حتى اليوم.
وقد وجدتُ داخل المؤسسة العسكرية مساحة حقيقية للابتكار لم أكن أتوقعها. شاركتُ في عدد من مشروعات التطوير، وكان أقربها إلى نفسي ابتكار نظام للتحكم في المباني عبر خطوط الهاتف باستخدام نغمات الاتصال (DTMF)، بحيث يمكن تشغيل الأنظمة والتحكم فيها عن بُعد دون الحاجة إلى بنية تحتية جديدة. كانت فكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها حلّت مشكلة واقعية بأقل الإمكانات المتاحة — وهذا تحديداً ما جعلني أدرك أن الابتكار ليس مرحلة تنتهي بانتهاء الزي الذي ترتديه، بل عادة ذهنية ترافقك في كل موقع. وما زالت ترافقني حتى هذه اللحظة.
تعلمتُ كذلك القيادة وإدارة الأفراد؛ كيف تُوزَّع المهام، وكيف تُبنى الثقة، وكيف يتحول فريق من أشخاص مختلفي الخلفيات إلى وحدة واحدة تعرف هدفها. وشاركتُ في أعمال تحويل مناطق صحراوية قاسية إلى بيئة صالحة للعيش، وفي تجهيز القاعات بأنظمة الصوت والفيديو — وكان الغرض من ذلك كله واحداً: أن يصبح المكان ملائماً لوجود الإنسان فيه. هناك ترسّخت لديّ القناعة التي حملتُها بعد ذلك في كل مشروع: التقنية لا قيمة لها ما لم تجعل حياة الناس أيسر.
ثم جاءت ثورة الخامس والعشرين من يناير، فشاركتُ في تأمين المنشآت الحيوية في وقت كان فيه لكل قرار ثمن ولكل ساعة حساب. كانت تجربة قاسية وصادقة في آن واحد، علّمتني معنى المسؤولية حين تكون حقيقية لا نظرية. وقد حصلتُ على تكريم عن تلك الفترة، ومُنحتُ نوط الامتياز — ويبقى أثره الأعمق عندي ليس في الوسام ذاته، بل في اليقين بأن ما تفعله في اللحظات الصعبة هو ما يحدد من تكون.
وحين أنظر اليوم إلى الطريق الذي بدأ في متجر صغير ومرّ بقاعات الجامعة ثم بالميدان، أجد خيطاً واحداً يربطه كله: الفضول الذي لا يهدأ، والرغبة في أن يعمل ما بين يديّ على نحو أفضل. ولو جلستُ اليوم أمام ذلك الصبي الذي كان يقضي أمسياته بين واجباته المدرسية وطلبات الزبائن في محل أبيه، لما طلبت منه أن يبطئ، بل لوسّعتُ له الأفق قليلاً:
«لا تكتفِ بتأمين الآلات؛ استعدّ لتأمين العقول التي تستخدمها.»
في هذه الكلمات خلاصة عمر من النمو. بدأتُ مفتوناً بالدوائر الكهربائية، وانتهيت إلى أن قيمة التقنية بقدر ما تخدم الناس.
وقامت شخصيتي على فضول لم يخفت يوماً، فصار البوصلة في كل فصل جاء بعد ذلك. وسأبقى ذلك الصبي الذي بحث عن الجواب داخل تلفزيون قديم، أبحث عن طرق أفضل تجعل التقنية قوةً في يد الناس. قد يتغير المكان، أما الغاية فباقية.
تلميح: استخدم ← → للتنقل بين الأقسام.
