الفصل الخامس
٠٥القلب وراء الرحلة
٥-١راسخ بجذور العائلة
خلف كل هدف كبير مصدر قوة لا يظهر في الشهادات. فمهما بلغت المسيرة، هناك دائماً أناس يمنحك تشجيعهم الجرأة على الخطوة التالية، ويمنحك وجودهم الطمأنينة ساعة الشك، والاتزان حين تثقل المسؤوليات. هم من يذكّروننا بأن للنجاح طعماً آخر حين نقتسمه مع من نحب. وهذا المصدر في حياتي كان العائلة؛ فمعرفتي بأن البيت سيبقى مكاناً للتشجيع هي التي سمحت لي بأن أتفرغ لرؤية أطول من يومي.
وأكثر من يلهمني أطفالي. بدأت مسيرتي بتأمين البنية التحتية الرقمية، ثم صارت شيئاً فشيئاً رسالة لحماية حرية التفكير المستقل، وأطفالي هم من أعطوا سنوات البحث والابتكار هذه طابعها الشخصي العميق. وجاء تشجيع آخر من الذين عملوا إلى جانبي؛ زملاء أثق بهم وأعضاء فريق مخلصون، شاركوني التحديات والإنجازات، وساعدوا في تحويل الأفكار إلى حلول تعمل على الأرض.
لم يكن التوازن بين العمل والأسرة يأتي وحده؛ كان يحتاج دائماً إلى اختيار واعٍ. لم أترك العمل يلتهم يومي كله، وحاولت أن أبسّط حيث استطعت. فالأولويات الواضحة والتخطيط المدروس فتحا مساحة أكبر لمن يهمني أمرهم. و«الهندسة غير المرئية» عندي ليست فلسفة تقنية فحسب، بل طريقة في العيش؛ أن يتراجع التعقيد الزائد ليحل محله الوضوح، فأكون حاضراً حضوراً كاملاً في العمل وفي البيت.

مع مجتمع التقنية العالمي، أحمل رؤية يهتدي فيها الابتكار بالمسؤولية.
٥-٢هبة التشجيع
أحياناً يأتي التشجيع في وقته تماماً. جاءتني لحظة كهذه بعد أن نشرت كتابي الأول. كنت قد قضيت ساعات طويلة أصوغ أفكاري كلمات، ولا أعرف كيف سيستقبلها الناس. ثم جاء رد زملائي فوق كل ما توقعت؛ تقدير صادق وملاحظات مدروسة لم تكن تهنئة فقط، بل تذكيراً بأن الفكرة التي تُقال بصدق وغاية قادرة على أن تلهم غيرك. وما زال هذا التشجيع قريباً من قلبي، ويزيدني يقيناً بأن المعرفة تقوى كلما انتقلت من يد إلى يد.
لو التقيت ذلك الشاب الواقف في أول طريقه، لكان الشكر من أول ما أقوله له. سأشكره لأنه رفض الطرق المختصرة. فاختيار الطريق الأصعب لفهم التقنية من جذورها احتاج إلى صبر، وربما بدا أحياناً عناءً لا داعي له، لكنه منحه معرفة لا تُقدّر بثمن. وصارت ثقته في فهم الأنظمة من أولها إلى آخرها من أكبر نقاط قوته.
وحتى أثقل المسؤوليات تحتاج إلى وقفات. بعد ساعات من حل المشكلات المعقدة واتخاذ القرارات الصعبة أبتعد عن العالم الرقمي عمداً. أطفئ الشاشات، وأضع سماعتي في أذني، فيخفت الضجيج من حولي شيئاً فشيئاً، وأستعيد الصفاء الذي أحتاجه لليوم التالي. تذكرني هذه اللحظات البسيطة بأن السكينة تبدأ حين تعرف متى تبطئ.
٥-٣جوهر الإرث
«أقيس الإرث بالحرية التي يرثها الجيل القادم.»
وراء تعقيدات التقنية وبنى الثقة المعدومة يقف دافع إنساني بسيط. فاسم «فوزووز» لم أختره أنا؛ ابتكرته ابنتي بعفويتها في حديث عابر بيننا. التقطتُ الاسم الذي صاغته ببراءتها، وجعلته عنواناً لكتابي الأول ومظلة لرؤيتي ومبادرتي كلها. أما ابني فيذكّرني بقيمة الفضول وحرية الاستكشاف؛ أرى فيه امتداداً لروحي وشغفي، ولكن ببصمته واهتماماته التي تخصه.
بدأت «فوزووز» سلسلةً قصصية على صفحات التواصل الاجتماعي، أُبسّط فيها المفاهيم النفسية وأساليب التعامل مع ضغوط الحياة، في محاولة لفكّ تعقيد العلوم الإنسانية وإعادتها إلى لغة يفهمها الناس في يومهم العادي. ثم اتسعت الفكرة حتى صارت مبادرة مجتمعية للسرد القصصي.
كان أول كتبي في الذكاء الاصطناعي «الذكاء الواعي: رحلة إلى عالم الذكاء الاصطناعي» محاولةً لتقديم هذا المجال لغير المتخصصين بلغة إنسانية لا تُرهبهم ولا تُبسّطه إلى حد التسطيح. ولم أكن أتوقع أن يتجاوز صداه دائرة القرّاء المهتمين، حتى تناولته جريدة «المساء» المصرية بالعرض والتقديم في مارس ٢٠٢٥ ووصفته بأنه كتاب نوعي مفيد. وقد كان لذلك عندي معنى يفوق الترويج: أن تلتفت صحيفة عامة إلى كتاب في الذكاء الاصطناعي يعني أن السؤال لم يعد سؤال المهندسين وحدهم، بل صار شأناً عاماً — وهذا بالضبط ما كنتُ أرجوه من الكتابة.

جريدة المساء المصرية تعرض «الذكاء الواعي: رحلة إلى عالم الذكاء الاصطناعي» — مارس ٢٠٢٥
٥-٤سفير الذكاء الاصطناعي الحكيم
ولأنني أؤمن بأن المعرفة لا تكتمل إلا حين تتحول إلى ممارسة وأثر، لم يقف طموحي عند حدود التأليف والنشر. من هنا، أسّستُ «برنامج سفير الذكاء الاصطناعي الحكيم»، وهو منهج قائم ومنظومة تعليمية متكاملة من ست درجات وأربع وثلاثين وحدة، صُمِّمت لتنقل المشارك من مجرد مستهلك للتكنولوجيا إلى صاحب مبادرة وموقف في مجالات الذكاء الاصطناعي وأمنه وحوكمته. جعلتُه رحلة وقفية متاحة للجميع بلا شروط مسبقة ولا رسوم، ابتغاءً لوجه الله، وهو الأداة العملية لنشر مفهوم «الذكاء الواعي».
ما يميز هذا البرنامج أنه يخرج عن القوالب المألوفة في التعليم التقني. فأغلب البرامج تكتفي بتعليم استخدام الأدوات أو ملاحقة أحدث الخوارزميات، أما «سفير الذكاء الاصطناعي الحكيم» فيبني «المناعة الإدراكية»: كل درجة تنتهي بمخرَج عملي ملموس، لا بإنهاء الوحدات فقط. ويجمع المنهج بين الفهم التقني والأمن الإدراكي والديناميكيات الإنسانية؛ فلا يعلّم المتدرب كيف يتعامل مع الآلة فحسب، بل كيف يحمي استقلال قراره وحكمه وهو يتعامل معها. أردته بوصلة تبني عقلاً نقدياً يسخّر الذكاء الاصطناعي بحكمة، فتصير التقنية أداة طيّعة تعزز سيادة الإنسان وحريته، لا قوة تتحكم في مسار عمله.
٥-٥درجات الرحلة الست
بنيتُ الرحلة على ست درجات، كل واحدة منها تُبنى على ما قبلها، ولا تُفتح التالية إلا بعد أن يعبر المشارك بوابة السابقة. والدرجة تأخذ أسبوعين: أسبوعاً للقراءة، وأسبوعاً للبوابة، فالرحلة كلها اثنا عشر أسبوعاً:
١ — أنت هنا: لا تبدأ بالتقنية، بل بتصحيح الصورة عن الواقع وتحديد موضع المشارك بدقة. بوابتها: مصفوفة تقييم ملوّنة وعقد موقَّع.
٢ — الأساس: كيف تتعلم الآلة، وكيف «تفكر» النماذج، ولماذا تخطئ. بوابتها: صفحة شرح واحدة بقلم المشارك.
٣ — الإتقان العملي: أن يُكلِّف المشارك لا أن يسأل، وأن يهندس السياق ويبني مساعده المعرفي. بوابتها: مُخرَج مهني موثّق تحقّق منه بنفسه.
٤ — الحماية: أمن المعلومات، وأمن النماذج، والأمن الإدراكي في خط دفاع واحد. بوابتها: تقرير هجومي وخطة درع إدراكي.
٥ — الحوكمة والصمود: تحويل الحكم الشخصي إلى نظام مؤسسي: سياسة، ومعايير، ونص قياس. بوابتها: سياسة معتمدة وتقييم UCSMM.
٦ — الابتكار والقيادة والإرث: أن يصنع المشارك ما لم يكن، وأن يُورِّث ما تعلمه لمن يليه. بوابتها: مبادرة أُطلقت ووثيقة توريث.
ولأن المسارات لا تبدأ من موضع واحد، تختلف نقطة الدخول باختلاف صاحبها: المبتدئ يسير في الترتيب الطبيعي، والمهني ذو الخبرة التقنية يقفز إلى ما يخص الأمن الإدراكي، والقائد أو المدير يبدأ من الدرجة الثالثة عملياً، ورائد الأعمال يقدّم الدرجة السادسة على غيرها. وتبقى القاعدة واحدة: لا أحد يُمنح المهارة بالقراءة وحدها.

من إحدى ورش «سفير الذكاء الاصطناعي الحكيم» — تفكيك كيف يعمل النموذج فعلاً قبل الحديث عن استخدامه
لو أخذتني الحياة في طريق آخر، أظنني كنت سأصبح بنّاءً أيضاً. ربما كانت المواد حديداً وحجراً وخرسانة لا شبكات وأنظمة ذكية، لكن الغاية كانت ستبقى متقاربة؛ فقد شدّني دائماً تصميم البنى التي تصمد أمام الزمن. وسواء كان البناء مبنى أو بيئة رقمية، فالقاعدة لم تتغير: التصميم الجيد يُشعر الناس بالأمان ولا يلفت الانتباه إلى نفسه. وبعيداً عن التقنية، لا شيء يعدل عندي أن أرى أطفالي يكتشفون العالم بدهشة؛ في تلك اللحظات اليومية ما لا تمنحه أي شهادة.
وغيّرت سنوات الخبرة فهمي للتوازن أيضاً. فالسكينة لا تأتي مصادفة؛ إنها تنمو من اختياراتنا اليومية. والحياة المُرضية تحتاج إلى استعداد للتخلي عما يزيدها تعقيداً بلا داعٍ، لنفسح المكان لما يهم حقاً. وحين بسّطت عملي وجدت أن الطموح والرضا لا يتصارعان. بعض التجارب تغيّر اتجاه المسيرة، وبعضها يغيّر نظرة الإنسان إلى العالم، والأبوة فعلت الأمرين معاً؛ فحين حملت أطفالي بين ذراعيّ رأيت الدنيا بعين لم يمنحني إياها أي نجاح مهني.
لكن الحياة لا تخلو من لحظات الشك. وحين تشتد الظروف لم يكن الذعر يوماً أول ردود فعلي؛ أتوقف قليلاً، وأفصل الضروري عمّا سواه، وأوجّه انتباهي إلى ما يمكن تقويته. ومتى ثبت الأساس اتضح الطريق. وتحت هذه الطريقة في التفكير قيمة ما زالت توجه كثيراً من قراراتي: أنني أعتز بحرية التفكير المستقل. وحماية هذه الحرية عندي من أعظم ما يمكن أن يحمله إنسان من مسؤوليات، خاصة في عالم تتسلل فيه التقنية إلى الحياة اليومية بطرق تزداد خفاءً.
يرى الناس المبادرات الكبرى حين تنجح، ويرون المحطات البارزة في المسيرة، لكن ساعات الإعداد الطويلة تبقى مخفية. وأظن أن كثيراً من أصعب لحظاتي مرّت وقليلون يرونها. هذه الفصول الخفية صنعتني بالقدر نفسه الذي صنعتني به لحظات الاحتفال، وذكّرتني بأن الإنجاز الحقيقي نادراً ما يُبنى تحت الأضواء. وربما لهذا شدّتني دائماً فكرة الهندسة غير المرئية؛ فبعض أثمن الأعمال يحدث حيث لا يفكر أحد أن ينظر.
«لقد هندس دروعاً خفية حتى نتمكن من الإبحار في المستقبل بعقل آمن.»
تلميح: استخدم ← → للتنقل بين الأقسام.
