تقدّم القراءة
٠ من ١٥ أقسام مقروءة
٨ / ١٥

الفصل الثاني

٠٢نقطة التحول

٩ دقائق قراءة٨ من ١٥

٢-١الخطوة التالية

الفضول وضع الأساس، والدراسة صقلت التفكير، لكن السنوات التالية حملت سؤالاً آخر: هل تصمد المعرفة أمام ضغط الواقع؟ كان الانتقال من الجامعة إلى العمل بداية فصل جديد. لم تعد الأفكار حبيسة الكتب والمشروعات البحثية؛ صار لكل قرار عاقبة، وصار على الأنظمة أن تعمل بلا توقف. فالشركات تعتمد على تقنية يُنتظر منها أن تعمل كل ساعة من كل يوم، ولا تحتمل إلا هامشاً ضئيلاً من الخطأ. في هذه البيئة بدأت مسيرتي المهنية.

بدأت سنواتي الأولى من موقع لم أكن أتوقعه: مدرّباً في تقنية المعلومات. عملتُ في مصر والسودان ضمن برامج تدريب مهني بالشراكة مع عدد من الجامعات المرموقة، أنقل فيها مهارات التقنية في شتى مجالاتها إلى دفعات متعاقبة من الدارسين. وقد علّمني التدريس أكثر مما علّمتُ؛ فحين تُضطر إلى شرح فكرة لعشرين عقلاً مختلفاً في القاعة نفسها، تكتشف مواضع الغموض في فهمك أنت قبل فهمهم. هناك تعلمتُ أن أفكك النظام إلى أبسط صورة يمكن شرحها — وهي المهارة التي ظلت معي في كل مشروع هندسي جاء بعد ذلك.

ثم انتقلتُ من قاعة التدريب إلى الميدان، والتحقتُ بالعمل في مجال غرف التحكم والمراقبة وتجهيز غرف العمليات المركزية. حملني هذا المسار إلى عدد من دول الشرق الأوسط وأفريقيا، حيث تختلف الظروف والبنية التحتية والثقافات، ويبقى المطلوب واحداً: غرفة يرى منها المسؤول صورة كاملة عن منظومته، ويستطيع أن يتخذ قراره في ثوانٍ. لم تكن تلك الغرف مجرد شاشات وأسلاك؛ كانت نقطة التقاء البشر بالتقنية في أشد اللحظات حساسية، وفيها أدركتُ أن التصميم الجيد لا يُقاس بعدد الأجهزة، بل بوضوح القرار الذي يمكّنك منه.

صورة ٤
صورة ٤

في أول الطريق، يدفعني الفضول والإصرار على فهم التقنيات التي ستصير عمل حياتي.

ومن غرف العمليات تجذّر عملي بعد ذلك في هندسة البرمجيات؛ تعلمتُ التقنيات الناشئة وأحدث أساليب تطوير البرمجيات، وعملتُ مطوراً أساسياً ضمن فريق واعد في بناء مجموعة برامج وأنظمة «رامسيس» (RAMsys) المتخصصة في المرونة التشغيلية لغرف العمليات. ورافق ذلك عملي في بنية الشبكات والأمن السيبراني. فقبل أن يصبح الذكاء الاصطناعي محور عملي، كنت غارقاً في عالم البنية التحتية، أتعلم كيف تُصمَّم البيئات الرقمية وكيف تُصان. نسيتُ مع الوقت تفاصيل يومي الأول في العمل، لكن الإحساس بالمسؤولية بقي حاضراً؛ فحماية البنية التحتية الحرجة لا تكفيها المعرفة الفنية، وكل حل يجب أن يثبت في ظروف الواقع. وهناك صارت الهندسة عندي عهداً بأن أبني أنظمة يعتمد عليها الناس. وهذه التجارب كلها — التدريب، وغرف التحكم، والبنية التحتية — هي التي صاغت طريقتي في كل فرصة جاءت بعدها.

تعلمت في سنواتي الأولى مبدأً صار طبعاً فيّ: حين يتعطل النظام، لا يحل الذعر شيئاً. وظهر هذا بوضوح بعد سنوات، في مشروع لاستعادة بنية تحتية حرجة. كان نظام رئيسي بحاجة إلى استعادة عاجلة، وكل قرار فيه قد تترتب عليه عواقب ثقيلة. لم أندفع إلى حل سريع، بل تعاملت مع المشكلة خطوة خطوة: نقلنا الخوادم، وشددنا إعدادات الأمان، وأعدنا بناء المنصة لتكون أقدر على الصمود. خرجت من التجربة بقناعة أرسخ: كل أزمة فرصة لتحسين ما هو قائم. لم يكن هدفي أن يعود النظام إلى العمل فحسب، بل أن يعود أقوى وأكثر استعداداً لما سيأتي.

صورة ٥
صورة ٥

مؤتمر Shifting Left with DevSecOps ٢٠٢٣ — حين يصبح الأمن جزءاً من عملية البناء لا مرحلة تالية لها

٢-٢طريقة جديدة للتفكير

بدأت مسيرتي بالشبكات والبنية التحتية والأمن السيبراني، وبقيت هذه المجالات في قلب عملي، لكن التقنية المتسارعة فتحت أمامي طريقاً لم أحسب حسابه. خرج الذكاء الاصطناعي من مختبرات البحث ودخل حياة الناس اليومية، وأخذ يغيّر طريقتهم في اتخاذ القرار. وهنا وُلد سؤال جديد: إذا كانت التقنية قادرة على التأثير في تفكير الناس، فمن يحمي العقل البشري نفسه؟ وجواب هذا السؤال هو الذي رسم المرحلة التالية من مسيرتي.

صورة ٦
صورة ٦

غرفة الخوادم كانت فصلي الدراسي؛ فيها التقى الفضول بالخبرة العملية.

بدأ الأمر شغفاً بتأمين الأنظمة الرقمية، ثم اتسع حتى صار رسالة تضع الحكم البشري والأمن الإدراكي في قلب التقدم التقني. كل مهندس يمر بلحظات لا تسير فيها الخطة المحكمة كما رُسمت، وقد تعلمت مبكراً أن ردّ الفعل الأول ليس دائماً الصحيح. قد تريحك طبقة إضافية أو أداة جديدة لبعض الوقت، لكنها قد تجلب تعقيدات لم تكن في الحسبان. ومع كل تحدٍّ واجهته اتضحت لي فكرة واحدة: البساطة ليست تنازلاً، بل قوة. فحين يخيب نظام ما التوقعات، نادراً ما تكون خطوتي الأولى أن أزيده تعقيداً؛ أعود إلى أساسه، وأفحص بنيته، وأسائل كل افتراض فيه، وأحذف كل ما يربك ولا يضيف قيمة.

صارت هذه الطريقة جزءاً من فلسفتي الهندسية. النظام الموثوق هو المبني بوضوح، والأمان القوي يأتي من فهم كل طبقة، لا من الاختباء خلف تعقيد لا حاجة إليه. وكلما قلّت الأجزاء المتحركة سهلت السيطرة. وهذا الانضباط نفسه هو ما أرجع إليه حين تسير الأمور على غير ما خططت؛ لا أقف عند الانتكاسة، بل أعيد البناء بثقة أكبر، وأجعل كل عقبة سبباً لتحسين التصميم حتى أفهمه كله وأطمئن إليه. وقد رافقتني هذه الفلسفة في كل مرحلة بعد ذلك، وما زلت أرى أن أقوى الحلول نادراً ما يكون أعقدها.

صورة ٧
صورة ٧

في المكتب مع فريق ISD

٢-٣الشجاعة للتطور

ومع تقدم مسيرتي كبرت المسؤوليات. كانت قيادة المبادرات التقنية رئيساً تنفيذياً للذكاء الاصطناعي (CAIO) ورئيساً لأمن المعلومات (CISO) تحتاج إلى انتباه لا ينقطع، وفي الوقت نفسه كنت أشارك في توجيه توسعات تجارية معقدة في أوروبا ومصر، لكل قرار فيها وزنه الاستراتيجي. كان العبء ثقيلاً، لكن ما كان يعينني على الاستمرار لم يكن على شاشة ولا في غرفة خوادم؛ كان في البيت. هناك كنت أستعيد توازني، وأتذكر أن عملي لم يعد طموحاً فنياً فحسب، بل مسؤولية عن تقنية يستحق الناس أن يثقوا بها.

وفي الفترة نفسها تقريباً كان تحول آخر يقترب. كان مشهد الأمن السيبراني يتغير بسرعة؛ فالأساليب التقليدية تحرس البنية التحتية الرقمية، أما الذكاء الاصطناعي فجاء بواقع مختلف، إذ صارت الأنظمة الذكية تؤثر في الطريقة التي يبحث بها الناس عن المعلومة. أدركت أن حماية التقنية وحدها لم تعد تكفي، فاتجهت إلى مجال تتساوى فيه الحوكمة والأخلاق والحكم البشري مع الأمن التقني. وكانت نقطة التحول الحقيقية التحاقي ببرنامج الدراسات العليا في الذكاء الاصطناعي للقادة (Post Graduate Program in Artificial Intelligence for Leaders) من جامعة تكساس في أوستن (The University of Texas at Austin). لم يكن برنامجاً تقنياً بحتاً، بل أعاد ترتيب الأسئلة في رأسي: كيف يُحكَم الذكاء الاصطناعي؟ ومن يتحمل مسؤولية قراره؟ وأين تنتهي الكفاءة ويبدأ الأثر الإنساني؟ خرجتُ منه بقناعة أن دوري لم يعد بناء الأنظمة الذكية فحسب، بل المساعدة في وضع الإطار الذي يجعلها جديرة بالثقة. كانت تلك من أخصب مراحل نموي، ومنها انطلق ما بعدها؛ فمع الوقت صار صوتي مسموعاً في حوكمة الذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان والأمن الإدراكي، وبدأ فصل جديد من الأثر المهني.

صورة ٨
صورة ٨

أمام منصة «رامسيس» في معرض إنترسك بدبي — من فكرة على ورق إلى منظومة تعرضها الشاشات

٢-٤أفكار قيد التنفيذ

وجاء مشروع بعينه ليؤكد لي أنني أسير في الاتجاه الصحيح. نجحنا في نشر إطار حافة خدمة الوصول الآمن (SASE) في ISD، ثم دمجناه في العمود الفقري لمنظومة RAMsys Connect، فرأيت بعيني ما تستطيعه الهندسة المدروسة. صار الأمان جزءاً من البيئة نفسها، يحمي العمل ولا يعطّل من يعتمدون عليه كل يوم. ولا أنسى الرضا الذي شعرت به وأنا أرى الإطار يعمل كما أردناه تماماً. مثل هذه اللحظات رسّخت قناعتي بأن الأثر الأكبر يظهر في كل ما يستمر في العمل لأن أساسه وُضع صحيحاً من البداية.

ثم اجتمعت سنوات البحث حول غاية واحدة. لم تكن الدكتوراه في حوكمة الذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان والأمن الإدراكي شهادة أخرى أضيفها إلى القائمة، بل فرصة لأطارد سؤالاً شغلني سنوات: كيف يبقى الابتكار مشدوداً إلى القيم الإنسانية والذكاء الاصطناعي يتطور بلا توقف؟ واحتاج الجواب إلى أن أصل بين تخصصات اعتادت أن تعيش منفصلة؛ فجمعت الهندسة والأمن السيبراني والحوكمة والأخلاق والذكاء الاصطناعي في إطار واحد، ينظر إلى التقنية على أنها أداة صُنعت لخدمة الناس.

ثم جاء اليوم الذي أُغلق فيه هذا الفصل. في مايو ٢٠٢٦ نلتُ الدكتوراه من كلية دنستر للأعمال، عن عمل يصل واقع الأمن السيبراني في المؤسسات بمستقبل يصوغه الذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان. مرّت اللحظة في هدوء، لكن الغاية التي حملتني طوال تلك السنوات ستبقى بعدها طويلاً. وفي الفترة نفسها برز مشروع فوق غيره: تطوير بنية RAMsys Connect ونشرها، وقد اجتمعت فيه سنوات من التخطيط الدقيق. كان مشروعاً طموحاً وصل العمليات بين مصر ودبي عبر إطار موحد لحافة خدمة الوصول الآمن (SASE)، فصار الأمان والاتصال منظومة واحدة متكاملة.

صورة ٩
صورة ٩

على منصة تحكم RAMsys — البنية وهي تعمل مباشرة، كما يراها المشغّل تماماً

٢-٥ما يهم حقاً

لم تغيّر السنوات في مجال التقنية خبرتي الفنية وحدها، بل غيّرت نظرتي إلى دوري مهندساً. فمع تقدم الذكاء الاصطناعي اتسعت رؤيتي؛ لم تعد التقنية تعمل خلف الشاشات وفي مراكز البيانات فقط، بل دخلت تفاصيل الحياة اليومية. فانتقل تركيزي من حماية الآلات إلى حماية الناس الذين يعتمدون على الأنظمة الذكية، حتى تبقى التقنية سنداً لحكمهم لا يداً خفية توجّهه.

بقيت الخبرة الفنية ضرورية، لكنني أدركت أن القيادة تحتاج إلى أفق أوسع. علّمني الذكاء العاطفي أن كل قرار تقني ينتهي أثره عند إنسان. وفتحت لي الكتابة والنشر باباً للمشاركة في النقاش الأوسع حول الذكاء الاصطناعي والأمن الإدراكي. وحين أقارن المهندس الذي كنته قبل عشرين عاماً تقريباً بالقائد الذي أنا عليه اليوم أرى فرقاً كبيراً؛ فقد كان حل المشكلة عندي في البدايات يعني تقنية أعقد، أما اليوم فأرى أن أفضل الحلول ما يبدو سهلاً لا جهد فيه لمن يستخدمه.

وإذا كان لهذا الفصل خلاصة واحدة، فهي أن المسار لم يكن قفزات متفرقة بل خطاً واحداً متصلاً: قاعة التدريب علّمتني كيف أُبسِّط، وغرف العمليات علّمتني كيف يُتخذ القرار تحت الضغط، والبنية التحتية والأمن السيبراني علّماني أن الثقة تُبنى في التفاصيل التي لا يراها أحد، والذكاء الاصطناعي جاء ليطرح السؤال الأصعب: من يحمي الإنسان نفسه؟ كل مرحلة كانت تجهّزني — دون أن أدري — للتي تليها.

وقبل هذا كله، أحمد الله على ما أعطى؛ فكل ما تحقق هو في حقيقته نعمة منه، وهذا الامتنان هو الأرض التي أقف عليها في الحياة والعمل. والقصة لم تنتهِ بعد؛ ففي الفصل التالي أحكي كيف خرجت هذه الرؤية من دائرتي الشخصية إلى المؤسسات، وإلى أثر أرجو أن يكون نافعاً في العالم من حولي.

تلميح: استخدم ← → للتنقل بين الأقسام.